يوم جميل ملىء بالحيوية والنشاط ابتداته من ليلة تسبقه استمع الى صوت ابى يهمس واقفا بين يدى الله بركعات من قيام الليل يتلوا فيها آيات من القرآن الذى كان يحافظ دوما على مراجعته . شعرت وكأنى أول مرة استمع الى صوت ابى يقرأ القرآن ! . وبعدها بقليل اتجه ابى نحو الباب ممسكا بيده مفاتيح المسجد لأسمع صوته مجددا يؤذن لصلاة الفجر ، واصطف المصلون خلفه ليصلون ركعات قال عنها رسول الله ” من صلى الفجر فى جماعة فكأنما قام نصف الليل” ويقول عنها أيضا ” من صلى الفجر فهو فى ذمة الله” .
عدت من صلاتى مسرعا لألحق بأول قطار نوم فقد كنت فى أشد حاجة إليه بعد عمل طويل وسهر الليل بأكمله ، لأستعد إلى يوم جديد – يوم الثلاثاء 22 فبراير الموافق 16 من الشهر العربى – ويا له من يوم ؟!
ابتدأته صباحا مع المحامى فى إحدى المصالح الحكومية وانطلقت بعدها إلى مكتبى لأكون هناك فى تمام العاشرة صباحا وحينها يرن جرس الهاتف … ترى من ؟ .. إنه أبى يطمأن على ويسألنى عن حالى وعن عملى ويدعوا لى بالتوفيق والفلاح …. يا لها من لحظات سعيدة أن تجد من يهتم لأمرك أكثر منك…. ووجدته يسألنى ( هل أفطرت ؟) فأجبته بالنفى لأنى نمت متأخرا وذهبت الى المكتب مبكرا فأجاب ( خد بالك من نفسك ) فأجبته بالموافقة ورغبتى فى إنهاء المكالمة حتى لا أطول عليه .
“ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير” نعم .. هكذا قال الله وهكذا حدث معى ! فكانت هذه المكالمة آخر محادثة صوتية بينى وبين أبى ! – رحمه الله –
وعلى غير عادتى جائتنى رغبة قوية فى العودة إلى المنزل بما يقارب التاسعة مساءا بتوقيت القاهرة – فقد كنت معتادا على التأخر حتى الواحدة من منتصف الليل – لأجد أمى تنتظرنى وتسألنى ( انت كلت ) فأجبت بالنفى . قالت هل أحضر العشاء ؟ فنظرت حولى لأجد أبى غير موجودا بالمنزل فأسأل عنه وتجيبنى أمى : ( لسة مجاش من الشغل . زمانه جاى ) فأخبرتها برغبتى فى تناول العشاء معه .. وقد كان العشاء الأخير الذى لم يتم بعد..!
وما هى إلا لحظات وسمعت خطى أبى على السلم فنادتنى أمى ( ابوك جه هقوم أحضر العشاء ) ، سمع أبى صوتها فأجاب ( أنا لسة مفطرتش ) . إنه كان صائما فقد كان معتادا على صيام ثلاثة أيام منتصف كل شهر عربى اقتداءا بسنة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم- .
وكعادته سأل أخى الصغير – 12 عام – انت صليت ؟ فأجابه بأنه سوف يقوم بذلك بعد الفراغ من العشاء . فابتسم له أبى ابتسامة خفيفة وقال بصوت مرتفع سمعه أمى فى المطبغ وسمعته أنا فى غرفتى
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله
نعم قد كررها مرتين .. فهو كان دائما ذاكرا لله على كل حال . ولكن هذه المرة شعرت بقبضة فى صدرى لأجد نفسى أخرج من غرفتى مسرعا إليه .،
بابا … ما لك ؟ بابا … ما لك ؟ …
كان جالسا فى انتظار الافطار فانبطح أرضا مخرجا آخر أنفاسه وشهق شهقة ” وجائت سكرة الموت بالحق”
فأنطلقت مزعورا لا أدرى ماذا أفعل !؟
· الإسعاف … ( هذا الرقم مرفوع مؤقتا من الخدمة )
· الدكتور… ( ربما يكون مغلقا )
· المستشفى … ( ممنوع الزيارات المنزليه )
وجدتى أخرج من المنزل حافى القدمين مرتديا زى النوم أنادى أخى الأكبر – إلحق أبوك – وأجري إلى أقرب مستشفى لأحضر دكتور .. ويا ليته ما حضر ..
نعم لقد لفظ أبى أنفاسه الأخيرة ولم يكتب له العشاء معنا ولا حتى شربة ماء !
وما هى إلا دقائق معدوده حتى وقف الجميع حوله فى ذهول تام
ووقف آخرون على رأسه يلحدونه ويقرأون له ويبكون تأثرا بفراقه …
إنه أبى قد فارق الحياه !!
إلى متى نقف هكذا ؟ كان السؤال يطرح نفسه .. أخذت أخى الأكبر واتفقنا على كيفية الاعلان عن الخبر ومن يقوم بالغسل وأين يكون الدفن ؟ ، وهكذا توالت الأحداث حتى أجد نفسى فى ظهر اليوم التالى واقفا فى حشد مهيب لم أتوقع حضور مثل هذا العدد فى جنازة لهذا الرجل البسيط !
امتلأ مسجد الحى بالناس وكأنها صلاة جمعه واصطف الناس يصلون صلاة الجنازة على أبى ..!
أربع تكبيرات وهم وقوف.
ولا أدري ماذا كان يحدث لى وقتها … هذة أرضية داخل صدري .. بركان فى رأسى .. سيل الدمع تنهمر من عيناى.. أسأل نفسى سؤالا واحدا .. ماذا تفعل ؟ أتصلى على أباك وتضع رأسه فى التراب ؟
وسرعان ما انتهت الصلاة والناس جميعا يبكون هذا الرجل الطيب ، وينعون أبناءه على فراق أبيهم . والتف حولى أصدقائى يهدئون من روعي وأهدئ من روعهم .
وانطلقنا جميها لنضع هذا الرجل الذى ختم كلامه بأمر بمعروف وختم أنفاسه بالشهادة وختم أيامه بالصيام والقيام فى مستقره الأخير فى الدنيا ..
سائلين الله عز وجل أن يجعل مثواه ” مقعد صدق عند مليك مقتدر” و ” فى جنة عرضها السموات والأرض”
أحدث التعليقات